الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

194

انوار الأصول

فمقتضى اطلاقها جواز إجراء البراءة ولو قبل الفحص ، فلا بدّ في رفع اليد عن هذا الاطلاق وتقييده بما بعد الفحص من دليل مقيّد ، ولذلك ذكر الأصحاب وجوهاً أربعة للتقييد : 1 - الإجماع ، لاتّفاق جميع العلماء من الشيعة والسنّة على عدم جواز إجراء البراءة قبل الفحص عن مظان البيان ، بل عليه ضرورة الفقه . فانّك لا تجد فقيهاً إذا سئل عن مسألة شرعيّة يفتي بالبراءة من دون الرجوع إلى الكتاب والسنّة . وأورد على هذا الوجه بأنّ الإجماع هذا لا أقلّ من كونه محتمل المدرك ، فلعلّ منشأه الوجوه الثلاثة الأخر ، ولكن قد عرفت أنّ المسألة بلغت فوق حدّ الإجماع ، وهو الضرورة ، ومن المعلوم أنّه إذا صار الحكم ضرورياً فالواجب الأخذ به من أي طريق كان . 2 - حصول العلم الإجمالي لكلّ أحد قبل الأخذ في استعلام المسائل بوجود واجبات ومحرّمات كثيرة في الشريعة ، ومعه لا يصحّ التمسّك بأصل البراءة لما تقدّم من أنّ مجراها الشكّ في أصل التكليف لا في المكلّف به مع العلم بالتكليف . ويرد عليه : أنّ هذا أخصّ من المدّعى ، فإنّ المدّعى عدم جواز التمسّك بأصل البراءة حتّى بعد الظفر بمقدار المعلوم بالإجمال في الشبهات البدويّة والمسائل المستحدثة . 3 - الآيات والروايات الدالّة على وجوب تحصيل العلم الذي لازمه وجوب الفحص . أمّا الآيات فنظير آية السؤال أو النفر حيث تتضمّنان معنى الفحص . وأمّا الروايات فهي على طائفتين : الطائفة الأولى : ما تدلّ على وجوب تحصيل العلم وبالتالي على وجوب الفحص بشكل كلّي . منها : ما رواه مسعدة بن زياد قال سمعت جعفر بن محمّد عليه السلام وقد سئل عن قوله تعالى : « فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ » فقال : إنّ اللَّه تعالى يقول للعبد يوم القيامة عبدي كنت عالماً ؟ فإن قال نعم ، قال له : أفلا عملت بما علمت ؟ وإن قال : كنت جاهلًا ، قال : أفلا تعلّمت حتّى تعمل ، فيخصمه فتلك الحجّة البالغة » « 1 » . ومنها : جلّ الأحاديث الواردة في كتاب فضل العلم من أصول الكافي ( في الباب الأوّل ) كالحديث المعروف من أنّ « طلب العلم فريضة على كلّ مسلم » الذي يدلّ على وجوب التعلّم

--> ( 1 ) تفسير البرهان : ج 1 ، ص 560 .